الجمعة، 28 مارس 2014

المقامة العمرية لابن ريان، الحسين بن سليمان بن ريان

هذه المقامة العمرية من مقامات الريانية وسماها بان ريان بالمقامة العمرية نسبة إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لأنه كان يذكر شيئا من عدل عمر ـ رضي الله عنه ـ وبعض الأمور الغريبة والعجيبة في هذه المقامة .
يقول ابن ريان : أخبرني من أثق بعقله وأحكم بصحة نقله، قال : أغرب ما نقلته من الأخبار وأعجب ما عقلته عن الأخيار ـ عقلته بمعنى أدركته وفهمته ـ ممن كان كان يحضر مجلس الإمام عمر بن الخطاب، خليفة الإسلام، فيسمع كلامه ويتدبر أحكامه، قال : بينما الإمام قد جلس في بعض الأيام وعنده أكابر الصحابة وأهل الرأي والإصابة، وهو يفصل القضايا ويحكم بين الرعايا، إذ أقبل إليه شاب حسن الشباب نظيف الأثواب قد اكتنفه شابان ـ اكتنفه أي أحاطا به ـ من أحسن الشباب، وقد جذباه وحسباه وأوقفاه بين يدي أمير المؤمنين ولبباه ـ لبباه يقال لبب فلان جمع ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جره ـ فلما وقفوا بين يديه ونظر إليهما وغليه أمرهما بالكف عنه ودنوه منه قالا : نحن يا أمير المؤمنين أخوان شقيقان جديران بإتباع الحق حقيقان، كان لنا أب شيخ كبير ـ  وهذا من قوله تعالى في سورة يوسف : ( إن له أبا شيخا كبيرا ) حسين التدبير، معظم في قبائله ومتنزه عن رذائله ـ الرذائل يراد بها لاأشياء الحقيرة والدنيئة ـ معروف بفضائله، ربانا صغارا وأعزنا كبارا، وأولانا مننا غزارا ـ أولانا بمعنى أعطانا، وغزارا كثيرة ـ قالا : خرج اليوم من حديقة له يتنزه في أشجارها، ويقتطف يانع ثمارها، فقتله هذا الشاب، وعدل عن طريق الصواب، ونسأل الاقتصاص عما جناه، والحكم فيما أراك الله .
قال الراوي : فنظر عمر إلى الشاب وقال : قد سمعت فما الجواب ؟
والغلام مع ذلك ثابت الجأش ـ الجأش أي رابط نفسه عن الفرار ـ خال من الاستيحاش ـ أي أن يكون متوحشا قد دخلته الوحشة ـ قد خلع اللباس الهلع ونزع رداء اجزع، فتبسم عن مثل الجمان ـ أي الدر والؤلؤ ـ وتقدم ثابت الجنان ـ الجنان القلب ـ وتكلم بأفصح لسان، وسلم بكلمات حسان ثم قال : يا أمير المؤمنين، قد وعيا وما ادعيا ـ وعيا أي أدركا ما قالا بمنعى أنهما لم يلفقا كلاما غير صحيح ـ وصدقا فيما نطقا، وخدرا بما جرى، وعبر عما طرا، وسأنجي قضيتي بين يديك والأمر إليك، اعلم أني من غرباء العرب، العرباء نبت بي منازل البادية وضبحت علي أسود السنين ـ ضبحت أي غيرت لوني إلى السواد قليلا ـ قال : فأقلبت إلى ظاهر هذا البلد بالأهل والمال والولد، فأفضت بي طرائقها ـ طرائق جميع طريق ـ إلى المسير بين حدائقها، ومعي نياق حبيبات إلي عزيزات علي بينها فحل كريم الأصل، كثير النسل، مليح الشكل، حسن النتاج، يمشي بينها كالملك عليه التاج، فدنت بعض النوق إلى حديقة، فظهرت من الحائط أطراف شجرها فتناولته بمشفرها ـ المشفر من البعير بمنزلة الشفة من الإنسان ـ فطرتها عن تلك الحديقة وسلكت بها عن غير تلك الطريقة، فإذا شيخ قد ظهر وزفر وتسور الحائط وطفر ـ زفر الزفرة أن يملأ الرجل صدره غما ثم يخرجه بعد مدة، وطفر الحائط بمعنى وثبه إلى ما وراءه ـ وفي يده اليمنى حجر، وتهادى كالليث إذا خطر وضرب الفحل بذلك الحجر فقتله، وأصاب مقتله، فلما رأيت الفحل قد سقط لجنبه، وانقلب توقدت في جمرات الغضب ـ توقدت أي اشتعلت ـ فتناولت ذلك الحجر بعينه وضربته به فكان سبب حينه ـ والحين أي الموت ـ ولقي سوء منقلبه والمرء مقتول بما قتل به، بعد أن صاح صيحة عظيمة، وصرخ صرخة أليمة، فأسرعت من مكاني جهد إمكاني، فلم يكن بأسرع من حضور هذين الشابين فأدركاني وأمسكاني وأحضراني وها أنا كما تراني .
قال عمر رضي الله عنه : قد اعترفت بما اقترفت ـ اقترفت بمعنى ارتكبت ـ ومن يقترف، وتقعر الخلاص ووجب القصاص، ولات حين مناص ـ أي ليس ساعة ملجأ ولا مهرب ـ فقال الشاب : سمعا بما حكم به الإمام ورضا بما اقتضته شريعة الإسلام، لكن لي أخ صغير وكان له أب شيخ كبيرـ وهذا مأخوذ من وقوله تعالى : ( إن له أبا شيخا كبيرا ) ـ خصه قبل وفاته بمال جليل وبذهب كثير، وأحضره بين يدي وسلمه إلي، وأشهد الله علي، وقال : هذا لأخيك عندك فأحفظه جهدك ـ بمعنى قدر طاقتك ـ فاتخذت لذلك المكان مدفنا ووضعته فيه فلا يعلم به إلا أنا، فإن حكمت الآن بقتلي ذهب الذهب، وكنت أنت السبب، وطالبك الصغير بحقه يوم يقضي الله بين خلقه، وإن أنظرتني ثلاثة أيام، فإن أنظرتني ثلاثة أيام أقمت من يتولى أمر الغلام، وعدت وافيا بالذمام ـ الذمام أي العهد والكفالة ـ ولي من يضمن لي على هذا الكلام .
فأطرق أمير المؤمنين عمر، ثم نظر إلى من حضر، فقال : من يقدم على ضمانه والعود إلى مكانه ؟ . قال : فنظر الشاب إلى وجوه الناظرين وأشار إلى أبي ذر دون الحاضرين، فقال : هذا يكفلني عندكم ويضمنني، فقال عمر رضي الله عنه : أتضمنه يا أبا ذر على هذا الكلام ؟ قال : نعم، أكفله إلى ثلاثة أيام . فرضي الشاب بضمان أبي ذر وأنظراه إلى ذلك القدر، فلما انقضت مدة الإمهال، وكاد وقتها يزول أو زال، حضر الشابان إلى مجلس الإمام عمر ـ رضي الله عنه ـ والصاحبة حوله كالنجوم حول القمر، وأبو ذر قد حضر وانحسر ـ انحسر بمعنى عيي في منطقه ـ قال : أين الغريم يا أبا ذر ؟ كيف رجوع من فر ؟ كيف يرجع أمس الذي مر ؟ لا نبرح من مكاننا حتى تفي بضماننا . فقال أبو ذر : وحق جلال الملك العلام أن انقضى تمام الأيام وما حضر الغلام، وفيت بالضمان وأسلمت نفسي وبالله المستعان .
قال الإمام عمر : والله إن تأخر الغلام لأمضين بأبي ذر ما تقتضيه شريعة الإسلام ـ لأمضين أي يقال أمضى الأمر أي أقطعه ـ وأنهاه فانهلت عبرات الحاضرين ـ بمعنى سالت ـ وارتفعت زفرات الناظرين، وعظم الضجيج وتزايد النشيج، فعرض أكابر الصحابة على الشابين أخذ الدية واغتنام الأدعية، فأصرا على عدم القبول، وأبيا إلا الأخذ بثأر المقتول، فبينما الناس يموجون ـ أي يضطربون ـ تلهفا لما مر ويصرخون تأسفا على أبي ذر إذ أقبل الغلام، ووقف بين يدي الإمام، و سلم أتم السلام، ووجهه يتهلهل مشرقا ويتكلل عرقا، وقال : قد سلمت الصغير إلى أخواله، وعرفتهم خفي أحوالهم وأطلعتهم على مكان ماله، ثم اقتحمت هاجرة الحر، ووفيت وفاء الحر، فعجب الناس من صدقه ووفائه، وإقدامه على الموت واجترائه، فقال : من غدر لم يعف عنه من قدر، ومن رحمه الطالب وعفا، وتحققت أن الموت إذا حضر، لم ينج منه احتراس فاخترت الوفاء كي لا يقال ذهب الوفاء من الناس .
قال أبو ذر : والله يا أمير المؤمنين، لقد ضمنت هذا الغلام ولا أعرفه من أي قوم ولا كنت رأيته قبل ذلك اليوم، ولكنه نظر إلي دون من حضر، ورصدني فقصدني . وقال : هذا يضمنني فلم أستحسن رده فأوجبت المروءة ألا أخيب قصده، إذ ليس بإجابة القصد من باس كي لا يقال ذهب القصد من الناس .

فقال الشابان عند ذلك : يا أ مير المؤمنين : قد وهبنا هذا الغلام دم أبينا وقدمناه ذخيرة بين أيدينا، فيبدل وحشته بإناس ويزيل ما كان يخافه من باس، كي لا يقال ذهب المعروف من الناس، فاستبشر الإمام بالعفو عن الإمام، وشكره على صدقه ووفائه، واستغزر مروءة أبي ذر دون جلسائه، واستحسن اعتماد الشابين في اصطناع المعروف، وأثنى ع ليهما أحسن ثنائه وأنشد : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه .. لا يذهب العرف بين الله والناس .


الثلاثاء، 7 يناير 2014

تخريجات إعرابية في الآية الكريمة ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ) .

بسم الله الرحمن الرحيم

تخريجات إعرابية في الآية الكريمة ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ) .

القاعدة المعروفة في النحو العربي بأن أداة ( إن ) تنصب المبتدأ وترفع الخبر، فبعض المغرضين قالوا انتقاصا وشكاً في القرآن الكريم : بأن في هذه الآية خطأ نحوي، فكيف يكون ذلك عند حد زعمهم، وكأنهم أرادوا أن تكون الجملة، إن هذين لساحران .
وهذه خمسة تخريجات ذكرها الدكتور الفاضل / فاضل بن صالح السامرائي ـ حفظه الله ـ وهي الآتي :ـ
التخريج الأول : أداة ( إن )  مخففة، واللام الفارقة في كلمة ( لساحران ) دلالة على تخفيف الأداة، ولو لم تجد اللام الفارقة لكانت أداة ( إن ) مثبتة فحينها يجب أن تعمل عملها في نصب المبتدأ ورفع الخبر .
التخريج الثاني : قد تكون ( إن ) بمعنى نعم، وهذا موجود في اللغة العربية، كقول الشاعر :
بكر العواذل في الصباح .. يلومنني وألومهن
ويقولن شيبٌ قد علاك .. فقد كبرت فقلت إن
وكذلك قد ورد في كتب النحو بأن أحداً قال لابن الزبير : لعن الله ناقة حملتني إليك . قال : إن وراكبها . بمعنى نعم وراكبها ,
التخريج الثالث : بعض القبائل العربية تجعل ألف التثنية مطلقة في الرفع والنصب والجر، وقد سألت الدكتور / سليمان بن عبد العزيز العيوني ـ حفظه الله ـ عن ذلك فأكد لي الإجابة بأن بعض القبائل في جزيرة العرب تجيزها، فالقرآن الكريم استعمل لغات العرب، فقد تكون هذه لغة من لغاتهم .
التخريج الرابع : قد تكون ( إن )  ضمير الشأن كقول : إنها ذان لساحران .
التخريج الخامس : إن من أدوات الإيجاب في اللغة العبرية القديمة بمعنى نعم، ففي العبرية القديمة "هن" وكذلك في  اللغة الأرامية "هن" ، وقد تكون استخدمت هذه الأداة في هذه الآية خصيصا بمعنى نعم، للعبرانيين لموسى وأخيه هارون ـ عليهما الصلاة والسلام ـ وتكون بمعنى ( نعم هذان لساحران ) وهذه من البلاغة القرآن التي تستعمل الكلمة في مقتضى الحال وهذا من أعجب الاستعمال .
ورداً على المغرضين المشككين في إعجازٍ القرآن الكريم وتحديه للعرب بأن كفار العرب ـ آنذاك ـ أهل اللغة والبلاغة لم ينكروا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إعراب هذه الآية لأنها معلومة لديهم، والمعرض لو يعلم ذلك فلم ينبس ببنت شفه .

كتبه : مهند بن ناصر الخبيزي



الثلاثاء، 13 أغسطس 2013

قوم عاد ونبيهم هود ـ عليه السلام ـ







بسم الله الرحمن الرحيم

قصة : قوم عاد ونبيهم هود ـ عليه السلام ـ

عاد اسم قبيلة ويرجع هذا الاسم إلى أبيهم الأول ـ أي جدهم ـ وتقع هذه القبيلة في الأحقاف ما بين اليمن وعمان ( الربع الخالي ) والآن ليس لهم أثر البتة منذ ما أنزل الله عليهم العقوبة .
قوم عاد كانوا يعبدون الأصنام وعتوا في الأرض، وأذل القوي منهم الضعيف وبطش الكبير الصغير، فأرسل الله لهم نبيً من قومهم اسمه ( هود ) ليحدثهم بلغتهم ويخاطبهم بأسلوبهم وبين لهم سفاهة عبادتهم وبطشهم على الضعفاء وإقامة العدل بينهم كما أمر الله بهذا منذ أن خَلَقَ الخّلقْ .
كان هود من الأنساب الرفيعة والأخلاق الحليمة بينهم، فاختاره الله ليكون أمين رسالته وصاحب دعوته عليهم، لعله يهدي قومه وكبرائهم أصحاب العقول الضالة، فدعاهم إلى ما أُرسِلَ إليه من ربه، وأنكرَ عليهم الشرك وبين لهم من هو صاحب الحق في العبادة الخالصة، ونذرهم وقص عليهم قصة قوم نوح وما حل عليهم من العذاب والبطش بعد العناد، فردوا عليه بسخرية واستهانة وكبر وكذبوه واستبعدوا الحياة بعد الموت وأنكروا الحساب والعقاب والثواب وقالوا كما جاء في القرآن قوله تعالى : ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر . الجاثية 24 . وقالوا له كما في القرآن : فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين . هود الأية 32
فلما يأس هود من قومه، استمر في الدعوة إلا أن يأتي أمر الله وجاهد بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتوكل بذلك على الله وقال كما في القرآن : ما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم . هود 56 .
ولما جاءتهم العقوبة بعد عنادهم واستكبارهم رأوا سحاب عارض عليهم واستبشروا بالمطر المغيث الذي يروي أرضهم بعد عطش وجفاف ولكن قال لهم هود : ليس هذا سحابة رحمة وإنما ريح نقمة؛ قال تعالى : هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم . الأحقاف الآية 24 .
فلما اقتربت السحابة صَحِبَ معها ريح قوية فأصابت الأرض القريبة منهم وهي أتيه نحوهم، فرأوها من بعيد تعمل رحالهم ودوابهم من قوتها وتقذف بها إلى مكان بعيد، فخافوا وهلعوا وهربوا إلى بيوتهم قبل أن تصلهم ظنا منهم بأن هذا سيوقيهم من العذاب، فحملت الريح رمالَ الصحراء، وظلت سبع ليال وثمانية أيام متتالية، فدفنت الريح بيوتهم بالرمال الكثيبة وحجبت الرمال عنهم الشمس والهواء حتى ماتوا، فأصبح القوم بعدها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، وأمحى من التاريخ أمرهم وأثرهم؛ قال تعالى : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . هود الآية 117 .
أما هود فقد آوى إليه صحبه ومن آمن معه وظلوا بمكانهم تهزم حولهم الريح وتسفي الرمال وهم آمنون مطمئنون حتى هدأت الريح وصفا الحال ثم انتقل إلى حضرموت ( اليمن ) وقضى بعدها البقية الباقية من عمره .

كتبه / مهند بن ناصر الخبيزي


Twitter : @mohanad1408




الاثنين، 12 أغسطس 2013

الطَّلاق والخُلع عند العامة من النساء




الطَّلاق والخُلع عند العامة من النساء


بسم الله الرحمن الرحيم
الزواج هو نواة المجتمع وأساس التكاثر الفطري الذي جبله الله ـ سبحانه وتعالى ـ على مخلوقاته، وأول لبنة شرعية في تاريخ البشرية هو اقتران أدم ـ عليه السلام ـ بحواء، فالزواج أمر من الأمور المهمة التي يجب أن يعي مفهومها الشرعي عند عامة الناس من حيث الحقوق المترتبة على الزوجين، والحدود التي لهما وعليهما، فمتى ما صلح الزوجين صلح الأبناء، ومتى ما صلح الأبناء صلحت الأسرة، ومتى ما صلحت الأسرة صلح المجتمع كله .
فأول خطوة لصلاح الأسرة يكون قبل الاقتران وكتابة عقد النكاح، وأول مرحلة من مراحل الزواج هو البحث عن الزوجة أو اختيار الزوجة، ثم يأتي بعدها الخطبة، وفي نظري أن مرحلة الخطبة هي أهم وأدق مراحل الزواج في صلاحها ورسمها الصحيح الذي يرجوه كل مقبل ومقبلة على الزواج، وفي هذه المرحلة تأتي المعايير المختلفة والمتفق عليها في اختيار الشريك سواء على الصعيد العاطفي، أو المالي، أو الظاهري، أو الجاه من نسب ومرتبة اجتماعية، أو ديني وهذا أهمها .
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه البخاري ومسلم و أصحاب السنن : تنكح المرأة لأربع لمالها وحسبها وجمالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك . وفي هذا الحديث ختم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الدين وحض عليه بقوله : " تربت يداك " . ولا ريب بأن الدين هو المطمع الأول عند أصحاب المروءة، كون الدين يُطبع ويُصبغ على الأبناء فهو ديمومة الخير لهم والداحض لكل شر عنهم ـ بإذن الله ـ والدين هو الأجدر والأولى في اختيار الزوج أو الزوجة ثم يتبعه بما لا ينافيه ويناقضه، وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سنن أبي داوود: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير .
ففي عصر العولمة الذي نضارعه من تداخل ثقافات وحضارات الشعوب في دينها ودنياها من خلال سرعة المواصلات والمعلومات، أدى ذلك خلل عند بعض العامة، ولا سيما النساء منهن في حياتهن الزوجية على وجه الخصوص، فالمسلسلات العربية والأجنبية الهابطة، تحكي عن قصص حياة اجتماعية شمولية في الغالب تكون بين شريكين أو زوجين، فيها الاختلاف الديني والعقدي المسموم الذي غيَّرَ ثقافة سليمة كُنا عليها من قبل، فغالب تلك المسلسلات والأفلام تعطي المُشاهد الجمال المادي المحض الذي لا تجده إلا في الروايات الأدبية لدى هؤلاء، ولم تبني تلك المَشَاَهَدْ الجمال الروحي الذي ينّبَغي على الزوجين أن يعززوه في نفسهما قبل الماديات والمظاهر الكذّابة .
ولذلك يشتكي كثيراً من الأزواج على قصورٍ زوجية تَلَقّاهَا من زوجته، فبعض الزوجات المقصرات لأزواجهن، يتربصن لتلك الماديات التي يرنها في التلفاز أو يقرئنها في كتب الروايات الخيالية، ولم يجدن ذلك على الحقيقة كون الواقع يغلب على الخيال المرسوم بقلم، ويظنن بأن ذلك تقصير فيدفعهن بمثله، ولا أنفي بأن هنا مسلمات ضرورية من المفترض أن يقوم بها الزوج في تعامله مع زوجته كما هي في سيرة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع زوجاته، في حسن خُلقه وأدبه والجلوس معهن وملاعبته وإعطائهن جزء من وقته، أما تلك المشاهد والقصص فهي مبالغات مادية في التعامل بين الزوجين، أكثر مما هي روحية ينبغي أن تطغى على المادة .
ومن المشاكل الزوجية الدارجة في ملفات الطلاق بالدرجة الأولى، هو الجهل بالحقوق الزوجية المترتبة على الزوجين، ولا شك بأن المرأة في الغالب أكثر جهلاً من الرجل، ولذلك فقد كثرت الخلافات الأسرية التي أدت إلى أرقام عاليه، ونسب تزداد يوماً بعد يوم في محاكم الطلاق، وأكثرها في السنوات الأولى من الزواج ! وخاصة عند الجيل الجديد من الشباب والفتيات، الذين اختلطت ثقافتهم الفطرية التي جبلوا عليها من ثقافة أبائهم على ثقافة العالم الخارجي، فاكتسبوا تلك الثقافة المغايرة عما هي في الشريعة الإسلامية الغرَّاء، من العولمة بوسائلها المختلفة، حتى أصبحت ظاهرة المؤخر عند عقد النكاح شيء أساسي لدى بعض، وعزوف الشباب عن الزواج ظاهرة لحقت ظاهرة الطلاق خوفا من المستقبل فضلا عن غيره .
ومن مظاهر تغير ثقافة الزواج لدى نساء المسلمين في العصور المتأخرة، اعتقاد بعض النساء أن بيت الزوجية والزواج ككل، كالصداقة المؤقتة أو الدائمة على حسب المزاج، متى ما أرادت المرأة الطلاق أو الخلع أو فراق زوجها، ستجده بسهولة، وكأنها هي من تملك العصمة في طلاقها وليس الرجل، وذلك من جرَّاء جهلهن بحقيقة أمور الشريعة التي بنَّدت الحدود والتكاليف، ولا يخلوا أولياء أمورهن الذين لا يملكون العلم القليل نصيبا من هذا الجهل، فينبغي على أولياء أمور الفتيات قبل الزواج إرشادهن حتى لا تتأتى الشرور ويقعوا في فخاخٍ، ومشاكل عويصة، لا يخرجن منه أبدا حتى لو بعد شق الأنفس .
هناك اعتقادات لم نسمع بها سابقاً من بعض الزوجات الذين يجهلن الحقوق الزوجية تجاه أزواجهن، فعلى سبيل المثال قد سمعت بنفسي من أحداهن : " بأن المرأة ليست مجبورة على خدمة بيت زوجها من طبخ الطعام وتنظيف البيت ونحوه من الشؤون المنزلية المكلفة بها الزوجة، وأما الواجب الوحيد الذي على المرأة هو الفراش فقط ! . " ولا أظن أن أسمع مثل هذا الكلام عند الغرب والشرق، لأنها فطرة  بشرية لا تكتمل أنوثة المرأة إلا بها، فكيف بالرجل أن يريد الزواج من دون أن يُخدم في بيته ؟ وما هو الداعي من زواج الرجل إن لم يجد راحته وطعامه ؟ فعند علماء الاجتماع أن الممارسة الجنسية الزوجية تمثل 30% من الحياة الزوجية فقط، إذاً فهناك نسبة أعلى من الفراش المزعوم بتفرده في الحقوق .
وإن أتينا إلى الشريعة في وجوب خدمة المرأة زوجها من صنع المأكل والمشرب وتنظيف بيته ونحوه، في قوله صلى الله عليه وسلم : ... والمرأة في بيت زوجها راعية ومسؤولة عن رعيتها . وقال ابن حبيب في الواضحة : حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وبين زوجته فاطمة ـ رضي الله عنها ـ حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنية وهي خدمة البيت، وحكم على علي بالخدمة الظاهرة . ثم قال ابن حبيب : والخدمة الباطنة : العجن والطبخ والفرش وكنس البيت، واستقاء الماء، وعمل البيت كله . وأيضا فمن المعترف عليه عند المسلمين أن المرأة تَخّدم زوجها في بيته، فالعرف يكون بمنزلة الوجوب كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : والصحيح الذي يدل عليه أكثر نصوص أحمد، وعليه أكثر السلف : أن ما يوجبه العقد لكل واحد من الزوجين على الآخر كالنفقة والاستمتاع والمثبت للمرأة وكالاستمتاع للزوج ليس بمقدر؛ بل المرجع في ذلك العرف كما دل عليه الكتاب في مثل قوله تعالى : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف . البقرة 233 .
وفي هذه المعتقدات الدخيلة علينا والصاخبة، من خلالها كثرت المشاكل الزوجية ونشوز الزوجات على أزواجهن التي أدت إلى  الطلاق، وطلبه بكثرة من قِبل النساء، دون معرفة العواقب الاجتماعية والفردية عليها، حتى أصبح الطلاق يشاع أكثر من الزواج، ويخاض فيه من قِبل النساء خاصة بأحكامه القضائية، وبعضهن يرن أن باستطاعة المرأة خلع زوجها وطلاقها منه بكل سهولة، ولا يعلمن بأن المرأة إذا عُقِدَ نِكاحها لرجل أصبحت متزوجة لرجل يكون هو ولي أمرها والمسؤول الأول والأخير عن حياتها ما دامت في ذمته، وأن لديه العصمة المُطلَقة في طلاقها وشؤونها كله، وأن طاعته مقدمة على طاعة كل البشر حتى على والديها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كنت أمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على  قتب لم تمنعه .
ومن الأدلة الشرعية على تقديم طاعة المرأة زوجها عن طاعة والديها  في حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو ما رواه الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أعظم حقا على المرأة ؟ قال : زوجها . قلت : فأي الناس أعظم حقا على الرجل ؟ قال : أمه .
وفي الأنصاف ( 8/362 ) : لا يلزمها طاعة أبويها في فراق زوجها، ولا زيارةٍ ونحوها، بل طاعة زوجها أحق .
وفي شرح منتهى الإرادات 3/47 : إذا تعارضت طاعة الزوج مع طاعة الأبوين، قُدِمت طاعة الزوج، قال الإمام أحمد رحمه الله في امرأة لها زوج وأم مريضة : أوجب عليها طاعة زوجها من أمها إلا أن يأذن لها .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في الفتاوى : المرأة إذا تزوجت، كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب . وقال ـ رحمه الله ـ أيضا : فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها، أو أمها، أو غير أبويها، باتفاق الأئمة .
وعن حصين بن محصن قال : حدثني عمتي قالت : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض حاجة . فقال : أي هذه أذات بعل أنت : ؟ قلت : نعم . قال : كيف أنت له ؟ قالت : ما آلوه إلا ما عجزت عنه . قال : فأين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها دخلت من أي أبواب الجنة شاءت .
وروى الترمذي في سننه عن أبي أمامه ـ رضي الله عنه ـ قال : ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم، العبد الأبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون . حسنة الألباني .
ولذلك فقد أشار الله سبحانه وتعالى في آياتٍ كثيرة على توصية الرجال في حسن عشرتهم مع النساء والتقوى بهن، وكذلك السنة النبوية فيها الكثير والكثير من وصايا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالرفق بهن وحسن عشرتهن، ولا سيما في حجة الوداع فقد خطب رسول الله ـ صلى الله علية وسلم ـ خطبة خصص فيها جزا من حديثه عن النساء، والرفق بهن بأبي هو وأمي .
وبعد هذه الأحاديث المستفيضة، والأحكام الواضحة الجلية، نجد الجهل المركب عند بعض عامة النساء في الحقوق الزوجية التي رسمها القرآن والسنة، والأدهى من ذلك تعجبت كثيراً من بعض أقوال اللاتي طلبن الطلاق من أزواجهن زعماً منهن بأن استطاعة المرأة تطليق زوجها أو خلعه دون إرادته، وقد تفاجئ الكثير منهن عندما طلبن ذلك أمام القاضي في المحاكم الشرعية، فالخلع على وجهة الخصوص يترتب عليه شروط وأحكام مثبتة، وإن أرادت المرأة الطلاق من زوجها دون عذر شرعي، فقد تُكلف على نفسها بمالا تحمد عقباه، فقد يشترط الزوج على تطليقها إرجاع المهر والذهب وغيره من الأعراف التي تدخل ضمن المهر، وتُعطى قبل الزواج، وقد يزيد عليها أيضا، وعند أهل العلم أن الزوجة إذا طلبت الخلع من زوجها، فعليها أن ترجع للزوج ما أخذته منه ـ إن أراد ـ سواء ما يسمى بالشبكة أو الصباحية، وكذلك يسقط مؤخر المهر ـ إن وجد ـ لقوله تعالى : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون . البقرة 229 .
ولذا على الزوجة أن تتقِ الله في زوجها ولتخش وقوفها بين يديه ـ جل جلاله ـ في يوم تبلى السرائر ويبرز المكنون في الضمير، وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة . رواه أحمد، وأصحاب السنن . وقوله صلى الله عليه وسلم : إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها ولعنتها الملائكة حتى تصبح .
وصلى الله  على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
مهند بن ناصر الخبيزي


قصة نبي الله نوح ـ عليه السلام ـ مبسطة


بسم الله الرحمن الرحيم

قصة نوح ـ عليه السلام ـ مبسطة

دعا نوح ـ عليه السلام ـ قومه حقبة زمنية طويلة جداً وكانت ألف سنة إلا خمسين عاماً أي ( 950 ) سنة فاستمرت دعوته لقومه ولم يؤمن معه إلا القليل، وكانوا من أراذل القوم أي من المراتب الاجتماعية الدونية فكان منهم فقراء ومساكين  وأصحاب حرف رديئة وغيرهم، فبعد تلك المدة الطويلة التي دعا قومه ولم يستجيبوا له حذر قومه من عقوبة الله أن استمروا في عصيانه، وخاصة من كان له الشأن الاجتماعية وأكابر القوم الذي باستطاعتهم لو أمنوا ليؤمن معهم الكثير، ولكنهم قالوا له كما جاء في القرآن الكريم : يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين . هود الآية 32 . أمر الله نبيه نوح أن يبني ( فلك ) أي سفينة كبيرة، كما في قوله تعالى : إن أصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون . نوح الآية 26 ـ 27 . فبناها في سنتين، وكان طولها 300 ذراع وعرضها 50 ذراع، وكانت السفينة على ثلاثة أطباق، دور للبشر، ودور للحيوانات، ودور للطيور، وكلما مرَّ قومه على نوح ورأوه يصنع السفينة سخروا منه لأن الأرض التي كانوا عليها ليست على بحر أو نهر، واستهزؤوا به وقال الله تعالى رداً على سخريتهم : إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون  فسموف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم . عود 39 ـ 38 .  وكان لنوح ـ عليه السلام ـ أربعة أبناء وهم : سام وحام ويافث وكنعان أو عدنان كما روي عنه ، وكنعان هذا هو الذي كفر بما جاء به نوح ولم يؤمن معه ومع أخوته، وقد تكلم عنه الله ـ سبحانه وتعالى ـ في القرآن في قوله : ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنى ولا تكن مع الكافرين . وحذره أبوه نوح ـ عليه السلام ـ بأن الطوفان سيأتي ويغرق كل من كفر ومن لم يركب الفلك التي أمر الله بها نوح أن يصنعها ويركبها كل من أمن، فرفض ابنه كنعان وقال كما جاء في القرآن : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء . الآية هو 43 . ورد عليه نوح قال : لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم . الآية هود 43 .
فغرقوا كل الكفار ومعهم ابنه الذي كفر به وحزن عليه نوح حزن شديد وقال نوح لربه : ونادى نوح ربه فقال ربِ إن ابني من أهلي . الآية هود 45 . فقال له الله سبحانه وتعالى : قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلنِ ما ليس ل كبه علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين . وهذا دليل على أن القرابة في الدين أشد من القرابة في النسب فرد عليه نوح متأسفا ومستغفرا له : قال ربِ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين .
ثم جف الطوفان وشربت الأرض المياه ورست السفينة على جبل الجودي، ونزل من كان عليها .
كتبه / مهند بن ناصر الخبيزي
Twitter : @mohanad1408



قصة أبنيَّ أدم ( هابيل و قابيل ) مبسطة .



بسم الله الرحمن الرحيم

قصة أبنيَّ آدم ( هابيل و قابيل )


قال الله تعالى في قصة أبنيَ أدم ( هابيل وقابيل ) : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ . سورة المائدة
أول جريمة حدثت في الأرض هي قتل قابيل " المزارع " أخاه هابيل " الراعي "  فلم يكن في حينها من البشر إلا ستة وهم : أدم عليه السلام، وحواء، وهابيل وأخته قيل اسمها " لبودنا "  وقابيل وأخته قيل اسمها " إقليما " وكان سبب قتل قابيل أخاه هابيل كان في بداية خلق أدم وحواء، كانت حواء لا تنجب إلا توأمين في كل بطن ( ذكر وأنثى ) فكانت أول حملتين هي هابيل وأخته، وقابيل وأخته، فشرع الله لكل واحد أن يتزوج من البطن الآخر، ولا يتزوج من الأخت من نفس البطن، فرض قابيل ذلك وأراد الزواج من أخته التي ولدت معه في نفس البطن، لأنها أجمل وطمع فيها ونظر بأن قسمة أباه أدم غير عادلة، فقال أدم لهما على كل واحد منكما أن يتقرب بقربانا إلى الله، فإن تقبل الله قربانك يا قابيل فلك أن تتزوج أختك، فكل واحد منهما قدم قربانا، فكان قربان هابيل من الأنعام لأنه راعي، وقربان قابيل من الزراعة لأنه مزارع، ولكن الله سبحانه وتعالى تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، فأبى الله إلا أن يتم شرعه على أن كل بطن يصبح أخوان لا يشرع الزواج منهما، فتزوج هابيل أخت قابيل " الجميلة " فحقد قابيل على أخيه هابيل وحسده على القسمة التي قسمها الله فقتل أخاه وندم على ذلك .
وبعدما قتل قابيل أخاه هابيل، مكث قابيل مدة لا يعلم ماذا يفعل بجثته أخيه، وكان يحمله على ظهره أينما رحل، فيوم من الأيام رأى قابيل غراباً يقتل غرابا آخر ثم حفر الغراب القاتل حفرة بمنقاره، فوضع الغراب الميت ثم دفنه وذلك كما وردت في سورة المائدة .
وقيل في قصة أبنيَّ أدم في كيفية تقديم القربان بأن كل واحد منهما قدم قربانه على رأس جبل فنظروا ماذا سيحصل بالقربانين فأرسل الله ناراً من السماء كالرعد تلتهم القربان المتقبل وكان قربان هابيل .
وبعد وفاة الأخوة رزق الله أدم وحواء بولد اسمه " شيث " وأخوة غيرهم، وقبيل وفاة أدم وصى ابنه شيث في حفظ عبادة الله وتوحيده .


كتبه / مهند بن ناصر الخبيزي

Twitter : @mohanad1408

الخميس، 28 فبراير 2013

قلعة الرذيلة


بسم الله الرحمن الرحيم

قلعة الرذيلة



الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسولِ الله، وبعد .

عندما نرى قِلاع الإسلام، وحصنها في بلادِ المغرب العربي، تُحوّل إلى دورِ دعارة، فنحن نرى إلى زوالِ الأمجاد التي بقيت نتغنى بها طربا، وتنفيسا على الإنحطاط الإستعماري الذي غشي العقول، وأجاع البطون؛ دولاً فُتِحت في صدرِ عصر الإسلام، سالت بها الدماء، وقُدِمت لها الأرواح، وبنيت لها الصِراح، لرفع قول لا إله إلا الله محمد رسول الله، اليوم هي محطة للرذيلة، فأي تاريخ سيكتب وأي وجه سنقابل به جل في عُلاه ؟

ما شاهدناه في رحلة الداعية حسن الحسيني جزاه الله عنا خير الجزاء في شجاعتهِ، ومروءتهِ، ودخوله في قعرِ دارِ من دور الإسلام التي فَتَحُها العبادلة السبع، اليوم هي دار من دورِ الرذيلة، والمتاجرة في أعراض نساء المسلمين، إستغلالاً لجهلهن، وفقرهن، وجوعهن، نساءٌ بكن عندما ذُكر اسم الله ـ جل جلاله ـ نساءٌ اتعظوا عندما سمعوا لفظ جلاله، التي صدحت جدرانها، وتعطشت أسماعها، وصرخت زواياها، وزلزلت أركانها، ذكرا لله سبحانه وتعالى .

وفي هذه الجولة المباركة، والشجاعة المشهودة، نوقن أن تلك النسوة افتقروا الدعوة إلى الله، وتذكيرهم به، وتجديد أرواحهم الإيمانية، وتطهير عقولهم من الإستبداد الإستعماري، الذي ولى عليهم حكام السوء، والعلمنة، واللبرلة، حتى شاع الجهل في دينهم، والتخلف في ديناهم، فكم هم في حاجة إلى الدعوة أشد من حاجتهم إلى الصدقة، وفي هذا الربيع العربي، سنحت الفرصة لأهل الدعوة، والعودة إلى تلك المشاريع المأجورة ـ بإذن الله ـ والتي كان فعلها جريمة جنائية تحاسب أشد العقاب، هلموا إلى الخير يا عِباد الله .

وبلا شك هُناك دور أخرى، تستغل النساء، وتنهك بها الأعراض، فقد غشي على بلاد المغرب العربي عقودا على الاستعمار الغاشم، وغياب الإعلام النائم، الذي في غالبه يُكمل تلك المسيرة الاستعمارية في جر المرأة المسلمة لتبرجها، ورذيلتها، وحريتها المزعومة المكذوبة، وجرها للوقوع في الفخاخ، حتى سمعنا تلك الأصوات الصارخة التي تستنجد المسلمين لإنقاذهم مما هم عليه  من سطو الرذيلة، وعلاج حالتهم الاجتماعية، والاقتصادية، فقد قال رسول الله صلى الله علية وسلم في الصحيحين : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى".

فقد طالت على الأمة الإسلامية دهور على الإنحطاط، والتخلف، بينما هي من أشعلت نور النهضة والمعرفة، ونحن في هذه الحقبة الزمنية، والمتغيرات السياسية، في تقسيم الأمة، وتعدد أحزابها، نريد صحوة إسلامية تتحد تحت راية التوحيد أولا وأخيرا، وعلى أهل الدعوة ـ الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر ـ أن ينفضوا جببهم من تلك الأتربة المتكدسة، والدخول بقوةٍ وجراءةٍ إلى تلك الدور، وغيرها من دور الفساد، فهم في أشد الحاجة إلى الدعوة بأسلوبها الحسن، في تقديم الهدية، والكلمة الطيبة، التي تحببهم في ذكر الله ـ جل جلاله ـ واللجوء في ذكره بالسراء والضراء، والعون لهم حتى تلين القلوب وتتفتح الأبصار .

وفي المقابل لا ننس بأن لنا أخوة في أصقاع الأرض، مشرقها ومغربها، يشتكون جوعا وعطشا، وهم في أشد الحاجة لنا يستنجدون بنا، ونخشى عليهم الغلة والاستغلال، فإن لم نلبي لهم فسوف نُسأل في يومٍ لا ينفع مالاً ولا بنون، ومن أين كسبنا مالنا وفي أي شيء صرف، فقد قال الله تعالى : (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )
وقال تعالى : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران 104 .

وقال تعالى : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ... ) آل عمران 110 .

مهند بن ناصر الخبيزي
mohanad1408@



جميع الحقوق محفوظة © تَهَاويلي